الغزالي

490

إحياء علوم الدين

وأما الاستلام : فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته ، فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك ، فمن غدر في المبايعة استحق المقت . وقد روى ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] أنه قال « الحجر الأسود يمين الله عزّ وجلّ في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرّجل أخاه » وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم . فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت ، وتبركا بالمماسة ، ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك لا في البيت . ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان ، كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ، ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه ، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت : فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى ، إظهارا للخلوص في الخدمة ، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة ، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدرى ما الذي يقضى به الملك في حقه من قبول أورد ، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى . وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة ، وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات . وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مترددا بين العذاب والغفران وأما الوقوف بعرفة : فاذكر بما ترى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات ، واختلاف اللغات ، واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر ، اقتفاء لهم ، وسيرا بسيرهم ، عرصات القيامة ، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة ، واقتفاء كل أمة نبيها ، وطمعهم في شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول . وإذا تذكرت ذلك فالزم قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل ، فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين . وحقق رجاءك بالإجابة فالموقف شريف ، والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض . ولا ينفك الموقف عن طبقة من الأبدال والأوتاد ، وطبقة من الصالحين وأرباب القلوب . فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم ،